محمد بن جرير الطبري

150

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كتبها آجالها ثم انتقم الله منها بكفرها وتكذبيها رسلها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال : ابن زيد ، في قوله : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ قال : عني به أهل الكفر . وقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى ذكره : ويل يومئذ للمكذيين الذين كذبوا خبر الله الذي أخبرهم به عما هو فاعل بهم في هذه الآية . وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء المجرمين المكذبين بوعيد الله أهل التكذيب به : اركعوا ، لا يركعون . واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه ، فقال بعضهم : يقال ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ يقول : يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا . وقال آخرون : بل قيل ذلك لهم في الدنيا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ عليكم بحسن الركوع ، فإن الصلاة من الله بمكان . وقال قتادة عن ابن مسعود ، أنه رأى رجلا يصلي ولا يركع ، وآخر يجر إزاره ، فضحك ، قالوا : ما يضحكك ؟ قال : أضحكني رجلان ، أما أحدهما فلا يقبل الله صلاته ، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه . وقيل : عني بالركوع في هذا الموضع الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ قال : صلوا . وأولى الأقوال في ذلك أن يقال : إن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم المجرمين أنهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيه ، لا يأتمرون بأمره ، ولا ينتهون عما نهاهم عنه . وقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول : ويل للذين كذبوا رسل الله ، فردوا عليهم ما بلغوا من أمر الله إياهم ، ونهيه لهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : فبأي حديث بعد هذا القرآن ، أي أنتم أيها القوم كذبتم به مع وضوح برهانه ، وصحة دلائله ، أنه حق من عند الله تؤمنون ، يقول : تصدقون . وإنما أعلمهم تعالى ذكره أنهم إن لم يصدقوا بهذه الأخبار التي أخبرهم بها في هذا القرآن مع صحة حججه على حقيقته لم يمكنهم الإقرار بحقيقة شيء من الأخبار التي لم يشاهدوا المخبر عنه ، ولم يعاينوه ، وأنهم إن صدقوا بشيء مما غاب عنهم لدليل قام عليه لزمهم مثل ذلك في أخبار هذا القرآن ، والله أعلم . آخر تفسير سورة والمرسلات .